الأربعاء، 21 مارس 2012

>> [ مذكرات سجين ] ~

[ مذكرات سجين ]

انتقل للعيش في تلك الغرفة الصغيرة منذ أشهر ليست كثيرة ولكنه من يومها يوصد الباب على نفسه ويكتفي بالنظر من خلال تلك الشرفة الضيقة يرقب الصباح بعد المساء ويرقب المساء بعد الصباح ويبقى هكذا يحمل في يديه مفكرة وقلم يدون فيها ليل نهار هو غريب انتقل لهذه البلاد حديثا فلا أحد يعرفه ولا يعرف أحدا  منعزل عن كل من حوله ويتبادر السؤال إلى أنفس أهل تلك القرية ألا يجوع هذا الشاب؟ ألديه كفايته من الطعام؟ حتى بلغ الفضول بهم مبلغه فصاروا يتناوبون على مراقبة منزله تمر الأيام بصيفها وربيعها خريفها وشتاءها وذاك الشاب لم يمت بعد! هذا ما كان يردده أهل تلك القرية. أجل كيف له أن يعيش كل هذه الشهور بلا طعام ولا شراب ما السر وراء كل هذا أيعقل أن تكون لديه مؤنة لم تنفذ إلى الآن؟ رجال ونساء شيب وشبانا وأطفال بلغ فضولهم أقصى حدوده وبدأ الرجال والنساء الشيوخ والأطفال وحتى الشبان يحكي أساطير وخرافات حول حقيقة ذلك الشاب فمنهم من قال: إنه ليس إنسانا هو مبعوث من عالم الجن ليراقب أفعالنا. وآخرون قالوا: بل هو إنسان مثلنا ولكنه يمتلك قوى خارقة جعلته غير محتاج للطعام والشراب بالقدر الذي نحتاجه. أما الأطفال فقد قالوا: أنه بطل يملك القدرة على التخفي لذلك لا نراه عندما يخرج من غرفته. وكل يحكي قصته ويبحث عن أدلة ليثبتها ولم يكن أحدهم ليجرأ على التفكير بالدخول إلى غرفته خوفا من أن تتحقق ظنونهم في حقيقة هذا الشاب. وتتوالى الأيام وفي يوم بارد مثلج والناس نياما في بيوتهم كالطيور في أعشاشها هدوء غريب خيم على المكان وفجأة طرق خافت يتوالى بخفة شديدة فيستيقظ الرجال على إثره. صوت يشبه صوت النذير بشيء سيء سيحدث يخرج الرجال بمعاولهم وفؤوسهم يبحثون عن مصدر ذاك الصوت. ينظرون يمنة ويسرة وتارة يلتفتون بخوف شديد إلى الوراء ومرة يشتد الصوت من الأمام فينظرون بخوف هنا وهناك الصوت يأتي من اليمين بل هو من اليسار أن قادم من تحتنا  شيء ما يسقط من السماء ما هذه الضجة أين مصدر الصوت؟ ما الذي يحدث؟ انطفأت الأنوار ثم عادة فجأة واختفى الصوت تمام دون أن يعلم أحد مصدره.
تسلل الرعب إلى نفوس أهل القرية ووجد مسكنه في قلوبهم ويعلن كبيرهم عن اجتماع طارئ لأهل القرية وفيه قرروا أن الأشياء السيئة بدأت بالظهور منذ أن وصل ذاك الشاب الغريب إلى تلك القرية ووصلوا إلى حل ألا وهو إحراق تلك الغرفة التي يقطن فيها الغريب وحينما أجمعوا أمرهم اتجهوا ليلا حاملين المشاعل لتنفيذ حكم الإعدام حرقا للغريب وما أن أشعلت النيران في أرجاء المكان حتى انطلقت أصوات فرقعات تعلو محيط السماء بأضواء براقة مبهجة وبقي القرويون ينظرون إلى السماء بدهشة يظهر عليهم الخوف تارة وتارة أخرى تعلوهم نظرات التعجب والإعجاب وفي تلك اللحظات ظهر شاب غريب من بين سحب الدخان يحمل في يديه نبتة صغيرة لها زهور حمراء وحقيبة في ظهره وساد صمت عميق. الظلام مدلهم والريح تعصف بنفسها ودويها أشبه بعويل ذئب جائع فتتشابك فروع الأشجار مع بعضها ويسمع أصوات تكسر أغصانها الضعيفة ولا يزال الصمت مستمرا.
تبسم الشاب ضاحكا وقال: سعدت بلقائكم هل تفكرون بعمل طائش أيها العقلاء؟ وأهل القرية ينظرون إليه في عجب وبدءوا يتهامسون فيما بينهم: انه شاب صغير؟ يبدو عاديا جدا؟ لا أعتقد أنه رجل خارق أو مبعوث من عالم الجن؟ لا تتسرعوا ولا تنسوا أنه عاش كل تلك الفترة بلا طعام أو شراب؟ معك حق ربما أحس باقتراب نهايته وقرر خداعنا؟ هيا فلنقتله انهالوا عليه بفؤوسكم يا رجال.
بدء الشاب بالضحك وأخذ يقهقه ويقهقه والقرويون خائفون لا يعلمون ما الذي  يضحكه هل هي إحدى أسلحته أم هو أسلوب ينادي به إخوته ألقى القرويون أسلحتهم وفروا هاربين نجاة بأرواحهم  من شر ذاك الغريب.
ولما رأى الشاب الناس يرحلون أمسك بأحدهم وقال له: لما تهربون أردت فقط أن أسألكم على أعجبتكم اختراعي الجديد؟ لم يفهم الرجل كلامه وظن أن يريده أخذه معه إلى بلاده فبدأ الرجل بطلب النجدة والإغاثة ولكن أحد لم يجب وعندما وجد الشاب أن روح الرجل تكاد تزهق خوفا أفلت يده وتركه.
لم يدرك أحد في ذاك الوقت أن الغريب في شرفة الغرفة لم يكن نفسه صاحب الورود الحمراء و لم يدرك احد قط هذه الحقيقة إلا رجل واحد شهد ما حدث ولاحظ ذلك ولكن مما يثير العجب أن أحدا لم يصدقه وأنه حكم عليه بالسجن المؤبد نتيجة ذلك ولم تبقى سوى هذه الورقة من مذكراته والتي تحكي وقائع ذاك اليوم والذي أصبح فيما بعد حكاية يتداولها القرويون وينقلونها إلى أبنائهم جيلا بعد جيل ويحثونهم على حفظها ونقلها إلى الأجيال القادمة من بعدهم أما عن مصير الغريب في الشرفة فهذا ما دفنه التاريخ ولم يصل أحد إلى حقيقته وبقيت الحقيقة حبيسة الغموض ضائعة بين مذكرات السجين.


أطلآنطس الزرقآء



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق